مجموعة مؤلفين

199

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

أن يعلم من الغيب ، وهل العلم به يزيل عنه اسم الغيب في حق العالم أولا ؟ وقوله تعالى : « عالِمُ الْغَيْبِ » * إلى ماذا يرجع إطلاق الغيب ؟ هل لكونه غيبا عنا أو غيبا في نفسه من حيث لم يصفه بتعلق الرؤية فيكون شهادة ، وعلم العصمة ، وعلم تعلق العلم بما لا يتناهى ، هل يتعلق به على جهة الإحاطة أو لا ؟ وعلم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأسماء الحسنى : من أحصاها دخل الجنة . وما معنى الإحصاء ؟ وإلى ماذا يرجع ؟ وهل يدخل تحت ما لا يتناهى كما يدخل تحت الإحاطة أو لا يدخل ؟ وما الفرق بين الإحاطة والإحصاء ؟ فإن الواحد يحاط به ولا يحصى « 1 » . . . والعالم عالمان ، ثم ثالث . عالم يدركه الحس ، وهو المعبر عنه بعالم الشهادة وعالم لا يدركه الحس ، وهو المعبر عنه بعالم الغيب فإن كان مغيبا في وقت ويظهر في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيبا ، وإنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس ، ويعلم بالتعقل : إما بالدليل القاطع ، وإما بالدليل الصادق وهو إدراك الإيمان ، فالشهادة يدركها الحس ، وهو طريق إلى العلم ، وليس هو عين العلم وذلك يختص بكل ما سوى اللّه ممن له إدراك حسى . والغيب مدركه العلم عينه « 2 » . غير أنه لكي تتحقق ثمرة هذا الإرث يجب على الصوفىّ أن يتوجه بالتقوى ، لأن المعرفة التنسكية تنبثق من النفس بعد التحرر من ربقة الشهوات ، والتخلص من عبودية الرغبات ، والتعلق بالملأ الأعلى ، والشوق إلى الاندماج في النور الأقدس الذي هو على أثر ذلك كفيل بكشف ما وراء الحجب السميكة ، واجتياز ما بعد الحواجز الصفيقة ، وإضاءة ما في داخل البرازخ الكثيفة من أرواح علوية هبطت إلى تلك الأجسام فغشاها الظلام ، وأحاط بها القتام ردحا من الزمن كانت أثناءه في شوق إلى الاتصال بأصلها ، والفناء في مصدرها . فإذا تمت لها هذه البغية أصبحت جديرة بتلقى مخاطبة الحق الأعلى بقوله :

--> ( 1 ) ص 49 من الجزء الثالث من الفتوحات المكية . ( 2 ) ص 78 من الجزء الثالث من الفتوحات المكية .